جلال الدين السيوطي
66
الإتقان في علوم القرآن
وأصل استعمال هذا الطريق أن يكون المخاطب جاهلا بالحكم ؛ وقد يخرج عن ذلك فينزّل المعلوم منزلة المجهول لاعتبار مناسب ، نحو : وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ [ آل عمران : 144 ] ؛ فإنّه خطاب للصحابة ، وهم لم يكونوا يجهلون رسالة النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ لأنّه نزّل استعظامهم له عن الموت منزلة من يجهل رسالته ، لأنّ كلّ رسول لا بدّ من موته ؛ فمن استبعد موته فكأنه استبعد رسالته . الثاني : ( إنّما ) « 1 » الجمهور على أنّها للحصر ، فقيل : بالمنطوق ، وقيل : بالمفهوم . وأنكر قوم إفادتها إيّاه ، منهم أبو حيّان . واستدلّ مثبتوه بأمور : منها : قوله تعالى : إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ [ البقرة : 173 ] بالنّصب ؛ فإنّ معناه : ما حرّم عليكم إلّا الميتة . لأنه المطابق في المعنى لقراءة الرّفع ؛ فإنّها للقصر ، فكذا قراءة النصب ، والأصل استواء معنى القراءتين . ومنها : أنّ ( أنّ ) للإثبات و ( ما ) للنفي ، فلا بدّ أن يحصل القصر ، للجمع بين النّفي والإثبات . لكن تعقّب بأن ( ما ) زائدة كافّة ، لا نافية . ومنها : أنّ ( إنّ ) للتأكيد ، و ( ما ) كذلك ، فاجتمع تأكيدان ، فأفادا الحصر . قاله السكّاكيّ ؛ وتعقب : بأنه لو كان اجتماع تأكيدين يفيد الحصر لأفاد نحو : ( إنّ زيدا لقائم ) . وأجيب : بأنّ مراده : لا يجتمع حرفا تأكيد متواليان إلّا للحصر . ومنها : قوله تعالى : قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ [ الأحقاف : 23 ] . قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ [ هود : 33 ] . قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي [ الأعراف : 187 ] فإنّه إنما تحصل مطابقة الجواب إذا كانت إنّما للحصر ، ليكون معناها : ( لا آتيكم به إنما يأتي به اللّه ، ولا أعلمها إنّما يعلمها اللّه ) . وكذا قوله : وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ [ الشورى : 41 ، 42 ] . ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ إلى قوله : إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ [ التوبة : 91 - 93 ] . وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْ لا اجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي [ الأعراف : 203 ] . وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ [ آل عمران : 20 ] ولا يستقيم المعنى في هذه الآيات ونحوها إلّا بالحصر . وأحسن ما تستعمل ( إنما ) في مواقع التعريض ، نحو : إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ [ الرعد : 19 ] .
--> ( 1 ) انظر البرهان 4 / 231 .